أ.د. لطفي منصور
كِتابَةُ التّاريخِ الْإسْلامِيِّ وَالْإسْرائِيلِيّاتُ:
يُخْطِئُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ التّارُيخَ الْإسْلامِيَّ في بِدايَتِهِ قَدْ كُتِبَ كُلُّهُ في بِدايَتِهِ بِأَيْدٍ عَرَبِيَّةٍ. إنِّي أَرَى وُجُوبَ غَرْبَلَةِ هَذا التّاريخِ لِإخْراجِ الزَّيْفِ الْغَرِيبِ مِنْهُ، وَتَنْقِيَتِهِ مِمّا تَسَرَّبَ إلَيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ، بِأَيادٍ أَجْنَبِيَّةٍ قاصِدَةٍ تَشْوِيهَ هَذا التّاريخِ ، وَإيقاعَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.أَعْنِي بِالتَّسَرُّبِ الْمادَّةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ أَهْلِ الْكِتابِ الْمَعْروفَةَ بِالْإسْرائِيلِيّاتِ.
كِتابُ الْإسْرائيلِيّاتِ:
يُسَمِّيهِ حاجي خَليفَةَ قَصَصَ الْأَخْبار (كَشْفُ الظُّنون (1328:2)، وَفي مَكانٍ آخرَ يُسَمِيهِ قَصَصَ الْأَنْبِياءِ، وَيَقُولُ: إنَّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ (يَمَنِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْيَهُودِ ت 110هج) هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَ فِيهِ.
كانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَلى عِلْمٍ تامٍّ بِما تَحْوِيهِ كُتُبُ الْيَهُودِ وَالنَّصارَى لِصِلَتِهِ الْقَوِيَّةِ مَعَ يَهُودِ الْيَمَنِ . وَأَنَّ ما جاءَ بِهِ مِنْ إسْرائِيلِيّاتٍ يَتَوافَقُ تَمامًا مَعَ ما جاءَ في التَّوْراةِ.
مِنْ أَمْثِلَةِ الْإسْرائِيلِيّاتِ النِّسَبُ الْعَرَبِيُّ. أعْنِي القَبائِلَ الشَّمالِيَّةَ الْعَدْنانِيَّةَ.
فَعِنْدَما أَثْبَتَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ مُؤَلِّفُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ (ت ١٥١هج) وَهُوَ مِنْ تَلامِيذِ وَهْبٍ، نَسَبَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَ إلى عَدْنانَ، وهوَ الْجَدُّ الَّذي اتَّفَقَ عَلَيهِ النَّسّابُونَ الْعَرَبُ، أَكْمَلَ باقي النَّسَبِ إلى إبْراهيمَ مِنَ التَّوْراةِ.
هَلْ هُناكَ صِلَةٌ في النَّسَبِ بَيْنَ عَدْنانَ وَإبْراهِيم. الْخَطَأُ الْكَبيرُ الَّذي وَقَعَ فيهِ النَّسّابُونَ، وأَخُصُّ بِالذِّكْرِ النَّسّابَةَ محمّدَ بنّ السّائِبِ الْكَلْبي (ت 204 هج) في كَتابِهِ نَسَبُ مَعَدٍّ وَالْيَمَنِ الْكَبير، إنَّهُم لَمْ يُوَضِّحُوا الصِّلَةَ بَيْنَ عَدْنانَ وَيَعْرُبَ بنِ قَحْطانَ، وّاكْتّفَوْا بِتَقْسيمِ الْعَرَبِ إلى عارِبَةٍ وّمُسْتَعْرِبَةٍ، أيْ الّذِينَ لَبِسُوا الْعِمامَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَهَذا يُناقِضُ ما جاءَ في الْقُرْآنِ أَنّهُ قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ مُبينٌ. وَفي الْحَديثِ الصَّحيحِ : أَهْلُ الْيَمَنِ مِنِّي وَأَنا مِنْهُمْ، مُتِّفَقٌ عَلى تَصْحِيحِهِ. لَمْ تُواجِهْنِي في دِراساتي وَأَبْحاثي التَّعْبير: النَّبِيُّ الْمُسْتَعْرِبُ. أَمّا التَّعْبيرُ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ فَأَكْثَرُ مِنْ كَثِيرٍ.
يَقُولُ بروكلمان: إنَّ كِتابَ الإسْرائِلِيّاتِ لِوَهْبٍ كانَ مَعْروفًا عِنْدَ الْأَجْيَالِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتي جاءَتْ بَعْدَهُ. فَقَدْ عَرَفَهُ ابنُ قَُيْبَةَ الدَّينَوَرِيُّ (ت 176 هج) وَنَقَلَ مِنْهُ كَثِيرًا إلى كِتابِهِ عُيُونُ الْأَخْبارِ، وَعَرَفَهُ الْإمامُ الْغَزالِيُّ وَنَقَلَ مِنْهُ كَثِيرًا إلى كِتابِهِ إحٌياءُ عُلومِ الدِّينِ ، وَغَيْرِهِما مِنْ عُلَماءِ الْمُسْلِمُينَ.
وَقَدْ عَرَفَ وَهْبٌ الْعِبْرِيَّةَ وَالسُّرْيانِيّةَ وَنَقَلَ قِسْمًاكَبيرًا مِنْ مادَّتِهِ مِنْ كُتُبِ الْيَهودِ وَالنَّصارَى.
فَحَذارِ حَذارِ مِنْ قَبُولِ مادَّةِ الْإسْرائيلِيّاتِ كما هُيَ دُونَ تَمْحيصٍ،فَذَلِكَ يَصْبَغُ الْإسْلامَ بِصَبْغَةِ الْيَهودُيَّةِ وَالنَّصْرانِيَّةِ، لِأَنّ هَؤلاء وَإنْ أَسْلَمُوا بَقُواأُمَناءَ لِدِيانَتِهِمْ الْأَصْلِيَّةَ.
بروفيسور لطفي منصور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق