السبت، 12 سبتمبر 2026

عُسيلةُ ذاكرةِ الخَرّوب ✮✮✮🖊 الشاعر فرحات نزيه

عُسيلةُ ذاكرةِ الخَرّوب 

على بابِ مدرستِنا الصفراءِ، بائعٌ يُنادي عُشّاقَهُ:

يا خَروبَ صِبانا،
يا رفيقَ هَوانا،
ويا نبقَ أيّامٍ توارى سَناها.

فنأتيهِ طوعًا وعشّاقًا،
ولُهافًا،
نشتري بنهمٍ بالفلسِ القليل،
ونقتسمُ الخروبَ ميزانًا،
وحبّاتِ النبقِ على قدرِ الإصبعِ والبنان،
بينَ الصِّحابِ برفقٍ،
هكذا سلوُ الصِّحاب،
فنحنُ إخوان.

فنجمعُ عتادَ الضحكِ والهزلِ،
حينما ينادي جرسُ الجدِ،
وعمُّنا «سي الكبير»
على البابِ،
وقتَ ساعاتِ الدخولِ،
وأجواءِ فرحِ الخروجِ.

يفتحُ بابَ مدرستِنا "عمر بن عبد العزيز"
الصفراءِ
التي تحضنُنا ساحَتُها،
وترشُّنا بمسكِ ثراها،
فنركضُ،
نلحقُ بأقسامِ المعارفِ،
وقائدُها الهمام،
معلّمٌ صنديد،
لا يخافُ اللومَ
ولا صريحَ الرجال.

يمشي بنَخْوَةٍ،
والطربوشُ الأحمرُ وسام،
وفي اليدِ عصًا لمن عصى،
وللفهمِ مآربُ أخرى؛
فوقَ السبّورةِ،
وعلى الحروفِ والكلماتِ،
تشيرُ وتُحرّرُ المعاني،
ويلوّحُ بها في الهواءِ،
لنبدأَ نشيدَ الصباحِ
وروحَ الأوطان.

كانَ أبًا لنا قبلَ الأبِ وبعدَهُ،
بعينينِ فيهما حنانٌ ووجدان.

والأبُ في الدارِ ينتظرُ النسماتِ،
ولمّا يفتحُ «سي الكبير» البابَ، ويُسمعُ لحنُ جرسِ الخروجِ،
نكونُ كأنّنا كُنّا رهنَ الاعتقال.

نجري، نصرخُ، نتكلّمُ بصوتٍ جَعيز:

أنا الأحسنُ،
أنا الأقوى،
أنا المحبوبُ،
أنا... أنا... أنا...

ولا أحدَ يعرفُ سرَّ الأنا إلا أنا،
والخروبُ،
والنبقُ،
وزريعةُ الشمسِ،
والحلوى،
وسفوفُ حمصٍ وسكرٍ بالألوان،
كلُّها تُباعُ بالتقسيطِ على ميزانِ الذهبِ العريق.

نسارعُ لنرميَ محفظةَ العلمِ
في إحدى زوايا البيتِ،
ونسارعُ،
فـرائحةُ خبزِ أمّي،
وقهوةُ أمّي،
وطاجينُ الفحمِ،
قد ملكتِ الأرواحَ والهوسَ والروح.

إلى أمّي... إلى أمّي
تحضنُني وتقبّلُني،
كأنّي غبتُ عنها أعوامًا وسنين،
وقد حضّرت لي ما لذَّ وطاب.

وأنا المنشغلُ بنهمِ الأكلِ بلذّةٍ وسرعةٍ،
حتى لا أكونَ حارسَ المرمى ولا حكمَ الفريقِ
فساحةُ الحيِّ شغوفةٌ بلقيانا.

صبورةٌ هي،
فارحةٌ رغمَ دعكِها،
وإتلافِ ثراها بخفةِ الأقدام.

نلعبُ الكرةَ، بقانونِنا... قانونُ الأنا والأنا السُّذَّجُ وأنا المال:

إن انتصرنا نغتني،
ونُرشَقُ بالحجارةِ،
وإن فازوا نرشقُهم،
ونضحكُ من خسارةِ الفلسِ،
ثم نعودُ إخوانًا... وإخوانًا.

ونجري،
ونركضُ
في فضاءِ الطفولةِ،
كأنَّ المدى قد كانَ لنا ميدانًا.

يأتي الاقتراحُ على «دينيفري»:

نجري، ونركضُ،
نلوذُ بالمطاردين خوفَ اللمسِ.

وواحدٌ فينا يختالُ حارسَ الريحِ،
يفلتُ القومَ،
يراوغُ الهواءَ إلى المرمى،
يدخلُها ويصرخُ:

«دينيفري!»

فيعلو لنا شأنًا،
ونعودُ إلى الركضِ والجري سويًّا.

ومنّا من اختارَ «أحفيرة»،
كلُّ حفرةٍ لها وشمُ علمِها.

نقفُ على السطرِ،
ونرمي قرعةَ «الريبي»،
لترسوَ الحفرةُ،
ويأتي صاحبُها،
فنسبقُ الريحَ،
ويرمي من عطّلَ خفَّ الخطو.

حُفَرُ الطفولةِ نملؤُها حجرًا،
يمضي وراءَ الرفاقِ،
يضربُ بالرفقِ،
ويرمي بها من صادفتهُ القرعة.

نملأُ حفرتَهُ حجرًا إثرَ حجرٍ،
حتى يُقصى،
فتبقى يدُ الفائزِ مرفوعةً،
ويغدو الخاسرُ حزينًا ضاحكًا.

وفي يومِ الجمعةِ،
أو الأحدِ،
أو في العطلِ،
يأتي دورُ مهندسينا،
يصنعونَ بالعلمِ ابتكاراتِ الطفولة.

«لورمة»؛ نجمعُ المالَ
والمدّخراتِ،
كلٌّ على كرمِ جيبهِ،
ونقتسمُ الأدوار:

من يشتري ألواحَ الخشبِ،
وعجلاتِ الحديدِ،
وحبلًا،
ومساميرَ،
ومنشارًا،
ومطرقةً من الدار.

فتصنعُ أحلامُنا «لورمةً»،
عربةَ دفعٍ بالصديقِ تُقادُ،
بالحبلِ والرجلينِ،
إشارةُ اليمينِ
أو اليسار.

إذا كانَ دربُنا منحدرًا،
دفعنا رفيقًا،
فيمضى وحدَهُ يتحدّى المكانَ،
أو يتدحرجُ هو والعربةُ.

ونجري خلفَهُ لنسعفَهُ
إن كانَ جريحًا في الحال.

وإن صعدتْ بنا العقبةُ،
ظلَّ صديقُنا يدفعُ ويدفعُ،
ويلهثُ حتى يبلغَ قمةَ الجهدِ فرحانًا.

نتبادلُ الأدوارَ،
وفي عرفِنا لا يحسُّ أحدٌ بينَ القومِ بالحرمان.

وفي الربيعِ لنا نُزَهٌ،
نلبسُ الجديدَ،
ونخرجُ خروجَ العيدِ
إلى غابةٍ تراقصُ أشجارُها
وشقائقُ النعمانِ.

والزرابيُ المبثوثةُ تغطّي المكانَ،
وزغاريدُ الطيورِ
بمختلفِ الأجناسِ،
ملوّنةٌ بيدِ الرحمن.

هي فردوسٌ بثوبِ الحجرِ الآن.

فنختارُ وسطَ الورودِ والظلِّ بستانًا.

هذا أتى باللحمِ،
وذاكَ بالخُضرةِ،
وذاكَ أتى خبزًا
وفاكهةً
و«مونادا».

ونبني على نارِ الكانونِ طاجينًا
يحاكي لذّةَ المكانِ،
تحرسُهُ عيونُ الطهاةِ،
وتتوزّعُ حولَهُ عيونُ الرجال.

ونلعبُ لعبةَ الاختباءِ،
نختفي بينَ المروجِ،
لعبةَ «كاش كاش»،
ونلهو حتى تغزونا شهيةُ الطاجين.

وينادي فينا منادٍ:

الطعام... الطعام!

فنجتمعُ أحبابًا،
ونخطفُ اللقمةَ، ولا نعي ضحكاتِنا
من شدّةِ ضحكاتِنا.

كأنَّ الطفولةَ لم تكنْ لعبًا فقط،
ولكنّها صيّرتنا أناسًا؛
نحبُّ النضالَ،
ونحبُّ القصيدَ،
والرسمَ،
والنشيدَ،
وحبَّ الوطن.

هكذا سلوُ الطفولةِ، نبني بهِ أسوارَنا.

وإن عُدنا إلى مرابضِنا،
خطفتْنا رائحةُ خبزٍ من أناملِ أمّنا.

تفوحُ القهوةُ من بعيدٍ،
وطاجينٌ يرتّلُ نشيدَ الحماسةِ في أرجاءِ دارِنا.

وعلى ألحانِ صوتِ الشاي فوقَ النارِ،
تحكي لنا الجدةُ حكاياتِ الأهلِ
والزمنِ،
في سكونِ رقصاتِ الغروبِ
حوالينا:

«وا هينة، آش عشاكِ الليلة؟»

فيا شجرةَ الخروبِ،
يا نكهةَ الصِّبا،
ويا بسمةً كانتْ تضيءُ خطانا،
رُدّي الضحى،
والحيَّ،
والركضَ،
والرفاق.

رُدّي لنا ذاكَ القلبَ البسيطَ،
كما غنّى لنا الزمانُ براءةَ الطفولة.

وافتحي بابَ الذاكرةِ،
ليعودَ الزمانُ كما كان.

يا خروبَ العمرِ،
وإن متُّ يومًا،
فادفنوني بظلِّها،
حيثُ لعبنا،
حيثُ كانَ لقاؤنا،
حيثُ كانَ الحبُّ،
ودفءُ أمٍّ،
ورفقةٌ،
وخبزٌ،
وماءٌ،
وأمانٌ،
ورمان.

بقلم: فرحات نزيه - شاعر الحب والسلام الروحي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق