( رِسالةٌ إلى أُختِ بِلقيس )
قُضي الأمرُ ، واستَقَرَّ القَرارُ
وأطَلَّت بِزَحفِها الأحرارُ
واستحَثوا الخُطى خِفافاً سِراعاً
مِثلما يَستحِثُّ ليلاً نهارُ
مِن قَراحٍ ، مِن ( سَدِّ مأرِبَ ) ، عَذبٍ (١)
أسبَغَ الطُّهرَ فتيَةٌ أطهارُ
لن يَجِفَّ الوضوءُ حَتَّى تُحَيّي
تُربَ ( صَنعاءَ ) جَبهَةٌ وغِرارُ (٢)
ودُموعٌ تَسيلُ في حِضنِ ( صَنعاءَ ) ..
دُموعٌ في حَرِّهِنَّ اعتِذارُ
طالَ قَيدٌ بِمِعصَمَيها ، ولَم تَقطَع ..
رَجاءً بأن يُفَكَّ إسارُ
كانَ ( أيلولُ ) لَعنةً وخِداعاً
قامَ فيها لِلذُّلِ سُوقٌ وعارُ
باعَ فيها مِن عِرضِ أرضٍ وشَعبٍ
فاجِرٌ في يَمينِهِ ، سِمسارُ
لَن يَكونَ الأحرارُ لِلوَهمِ عُبداناً ..
وما ثَمَّ للعَميلِ قَرارُ (٣)
شَرُّ خَلقِ الإلهِ مَن كانَ مَربوباً .. (٤)
لخَلقٍ ، يُشَدُّ مِنهُ العِذارُ
فارقُبيهِم يا ( بِنتَ يَعرُبَ ) فَجراً
زاحِفاً ، رأدُهُ ضُحَىً وانتِصارُ (٥)
كَم أُديرَت لَهُم كُؤوسُ المَنايا
وبأيديهِمُ غَداً سَتُدارُ
وإذا هِمَّةٌ بِنَفسٍ تَسامَت
طَوَّلَت أعمُراً ، وهُنَّ قِصارُ
ساعَةُ الصِّفرِ آذَنَت باقتِرابٍ
قابَ قَوسَينِ ، أينَ مِنها الفِرارُ ؟
قَد يكونُ الطريقُ صَعباً ، وللحَربِ ..
سِجالٌ ، ولِلظُّروفِ اعتِبارُ
غَيرَ أنَّ الخَلاصَ لاحَ لِرائيهِ ..
ولِلبَغي رِعدَةٌ واحتِضارُ
إيهِ ( آزالُ ) ، لَم يَعُد بَعدَ هذا .. (٦)
اليومِ سَهمٌ يُراشُ أو أوتارُ
فارقُبيهِم يا ( أُختَ بِلقيسَ ) ، بُشرى
وزُحوفاً ، مِن كُلِّ صَوبٍ مَثارُ
وأعِدّي لَهُم أكاليلَ غارٍ
فَهُمُ المُخلِصونَ والأنصارُ
وسِواهُم مِن كُلِّ سِقطٍ دَعيٍّ
ذَنَبٌ ؛ لا يَعي ولا يَختارُ
وأفاعٍ لها مِن الغَدرِ نابٌ
مِنهُ لا تَنفَعُ الرُقى والعِقارُ
يَلبَسونَ الوَلاءَ ، جَهراً ، مُسوحاً
وهُمُ ، في الخَفا ، بِهِ تُجَّارُ
كُلُّ حَدٍّ يُفَلُّ مِنهُم ويَنبو
كُلُّ حِينٍ خِيانةٌ وازوِرارُ
أُطرُدوهُم مِن صَفِّكُم ، طِردَةَ ..
الدَّاءِ ، فَلا رَحمَةٌ ولا أعذارُ
أتُوارَى سَوءاتُ غَدرٍ ، وقَد بانَ ..
أذاها ، وحُلَّ مِنها الإزارُ ؟!
إنَّ عَيناً تُشيحُ عَنهُم وتُغضي
ليسَ عَن مِثلِها يُقالُ العِثارُ
أمِنَ الجُحرِ ذاتِهِ ، ومِراراً ،
جَهرَةً تُلدَغونَ ؟! بِئسَ الحِذارُ
قَد يَكونُ البلاءُ نُعمَى؛ لِتَمتازَ ..
صُفوفٌ؛ فَفي الأتونِ اختِبارُ (٧)
جادَكِ الغَيثُ ، والحَيا ، والغَوادي
يا رُبوعاً في حُسنِها يُحتارُ
( يَمَنٌ ) يُمنُهُ بِكَفِّ بَنيهِ
وبِعَينَيهِ لهفَةٌ وانتِظارُ
يابنَةَ ( الأكرَمِينَ )، طِبتِ وطابَت
مِن ذَراريكِ زُمرَةٌ أخيارُ
قَرَعوا لِلسَّماءِ باباً ، وفي الأرضِ ..
أسبابٌ إلى السَّما ومَسارُ
طُبِعَ النَّصرُ باهِضاً وعَزيزاً
ولهُ الصَّبرُ مَبدأٌ ومَدارُ
فانظُريهِم ( صَنعاءُ ) ، آتونَ مِن ..
( بابِ اليَمانِ ) العَتيقِ ، نورٌ ونارُ (٨)
______________________
شعر/ ناصر عليان ( الذيبي )
(١) قَراح : صافٍ خالِص.
(٢) غِرار : حَدُّ السيف.
(٣) قَرار : بقاء.
(٤) مربوباً : عَبداً.
-العِذار : الجانب من اللحيةِ أو اللِجام.
(٥) رأدُهُ : أوَّلُه.
(٦) آزال : الاسم الأقدم لصنعاء.
(٧) الأتون : الموقد الكبير.
(٨) أُنظُريهِم : انتظريهم.
-بابُ اليَمانِ : باب اليمن ، وهو
الباب الرئيسي لصنعاء القديمة.
-- من الخفيف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق