" عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة "
---
مقدمة : وراء القشرة الأولى
كم من مرة حكمنا على إنسان من نظرة عابرة، أو كلمة مقتضبة، أو موقف واحد مررنا به معه، ثم اكتشفنا لاحقًا أننا كنا نظلمه ظلمًا بيّنًا؟ كم من وجه عبوس أخفى خلفه قلبًا ينبض بالرحمة، وكم من صمت ظنناه كِبرًا كان في حقيقته حياءً أو وجعًا دفينًا؟
الحقيقة التي تعلّمنا إياها الحياة، مرّة بعد مرّة، هي أنّ الإنسان أعمق بكثير من سطحه، وأنّ الخير فيه ليس دائمًا صاخبًا أو ظاهرًا، بل هو في كثير من الأحيان بذرة صامتة تنتظر يدًا حانية لتسقيها، أو كلمة صادقة لتوقظها من سباتها.
---
أولًا: لماذا لا نرى الخير أول وهلة؟
* دروع الناس ليست وجوههم الحقيقية
يعيش الإنسان في عالم يفرض عليه أن يتدرّع. فالذي جُرح من قبل يتعلّم أن يخفي لينه، والذي خُذل مرارًا يبني حول قلبه أسوارًا عالية، والذي نشأ في بيئة قاسية قد يبدو فظًّا وهو في أعماقه يحنو على كل ضعيف. هذه الدروع ليست شرًّا، بل هي آليات بقاء. ومن يظنّ أنّ القشرة هي الثمرة، فقد حرم نفسه من حلاوة لا تُوصف.
* العجلة في الحكم آفة العصر
في زمن السرعة، صرنا نحكم على الناس في ثوانٍ: من منشور على وسائل التواصل، من مظهر خارجي، من ردّ فعل واحد في لحظة ضغط. نمنح أنفسنا حقّ إصدار الأحكام النهائية دون أن نمنح الآخر فرصة أن يُظهر ما في داخله.
---
ثانيًا: أمثلة من الحياة تُثبت أنّ الخير مختبئ لا غائب
القصة الأولى : السائق الغاضب والطفل التائه
في إحدى المدن العربية، كان سائق حافلة يُعرف بفظاظته وصوته المرتفع وصراخه على الركاب. كان الجميع يتجنّبه. ذات يوم، صعد طفل صغير إلى الحافلة وهو يبكي لأنه ضلّ طريقه إلى بيت جدّته. توقّف السائق عن كل شيء، مسح دموع الطفل بيده الخشنة، وأغلق الحافلة، وقاد الطفل بنفسه سيرًا على الأقدام لأكثر من ساعة حتى أوصله إلى باب جدّته، ثم عاد ليكمل عمله. لم يروِ لأحد. لكنّ جدّة الطفل رأت الدموع في عينيه وهو يودّع حفيدها. ذلك الرجل "الفظّ" كان يحمل في صدره أبًا فقد ابنه قبل سنوات، وكلّ طفل يراه يذكّره به.
القصة الثانية: الجارة الصامتة
كانت هناك امرأة في حيّ شعبي لا تتكلم مع أحد، لا تحضر المناسبات، ولا تبتسم لجيرانها. ظنّ الجميع أنّها متكبرة أو غريبة الأطوار. ثم مرضت جارته الأرملة مرضًا شديدًا، فوجدت تلك المرأة الصامتة عند بابها كل صباح بطبق طعام ساخن، ودواء موضوعة في كيس، ومبلغًا صغيرًا تحت الوسادة. لم تقل كلمة واحدة. لم تنتظر شكرًا. كانت تفعل ذلك لأنها هي نفسها عاشت وحدها سنوات طويلة بعد وفاة زوجها، وأقسمت ألا تدع أحدًا يشعر بتلك الوحدة.
القصة الثالثة: المعلّم الذي ظُلم
يحكي أحد الأطباء المشهورين أنّه كان في المدرسة طالبًا كسولًا مشاغبًا. كان هناك معلّم رياضيات يوبّخه أمام الجميع، حتى كرهه الطالب وكره المادة. مرت العشرون سنة، والتقى الطالب – وقد صار طبيبًا – بذلك المعلّم صدفةً. قال له المعلّم: "أتذكر كيف كنت أوبّخك؟ كنت أخاف عليك. كنتَ أذكى طالب عندي، لكنّك كنت تضيع. لم أعرف كيف أوقظك إلا بتلك الطريقة. كنت أبكي في البيت كل ليلة لأنني أشعر أنني قاسٍ معك، لكنني كنت أرى فيك ما لا تراه في نفسك."
---
ثالثًا: كيف نلمس الجانب الطيب في الناس؟
١. نمنحهم الأمان
الإنسان لا يكشف طيبته لمن يخافه. الأمان النفسي هو المفتاح الأول. عندما يشعر الشخص بأنك لن تسخر منه، لن تستغل ضعفه، لن تحكم عليه، تبدأ طبقاته الدفاعية بالذوبان شيئًا فشيئًا.
٢. نستمع أكثر مما نتكلم
كثير من الخير في الناس لا يُقال، بل يُلمح. في نبرة صوتٍ ترتجف، في عينين تتجنّبان النظر، في صمتٍ طويل بعد سؤال بسيط. من يتقن فنّ الإصغاء يكتشف كنوزًا لا يراها المتكلم.
٣. نبحث عن الفعل لا عن الكلام
الطيب الحقيقي لا يُعلن عن نفسه. لن تراه يقول: "أنا إنسان طيب." لكنك ستراه يزيح حجرًا عن الطريق، يُطعم قطًّا جائعًا، يتصل بوالدته كل يوم، يبتسم لعامل النظافة، يُفسح المجال لغيره في الحديث. الطيب يُعرَف بأفعاله الصغيرة المتكررة لا بخطبه الرنانة.
٤. نتذكّر أنّ كل إنسان يحمل قصة
خلف كل سلوك قاسٍ قصة ألم. خلف كل صمت جرح لم يندمل. خلف كل غضب خوف لم يُعترف به. عندما نتذكّر ذلك، تتغيّر نظرتنا من "ما هذا الإنسان السيء؟" إلى "ما الذي جعل هذا الإنسان يتألم؟"
٥. نبادر نحن بالخير أولًا
من أعظم ما يوقظ الخير في الناس أن يروا خيرًا حقيقيًّا أمامهم. ابتسامة صادقة، مساعدة غير مشروطة، كلمة تقدير في وقت لا ينتظرها أحد. هذه الأفعال الصغيرة تكسر الجدران وتفتح الأبواب المغلقة.
---
رابعاً : شواهد من التراث والحكمة
قال النبي عليه الصلاة والسلام : «الناس كإبل مئة، لا تكاد تجد فيها راحلة» وهذا ليس حكمًا بأنّ الناس كلهم سوء، بل هو دعوة للبحث والتعمّق. الراحلة موجودة، لكنها تحتاج عينًا خبيرة.
وقال الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال» .. وهذا توجيه لأن نتجاوز الانطباعات السطحية.
وقال الشاعر:
> *وليسَ الذي يَجري مِنَ العَينِ دَمْعُها ... بِأَبْكَى مِنَ العَيْنِ الَّتي لَيْسَ تَدْمَعُ*
فأشدّ الناس حزنًا قد يكون أكثرهم جفافًا في الظاهر، وأرقّهم قلبًا قد يكون أشدّهم صرامة.
---
خامسًا: أثر هذا الفهم في حياتنا
* على مستوى العلاقات
عندما نتعلّم أن نبحث عن الخير المخفي، تتغيّر علاقاتنا جذريًّا. نصبر على من نحبّ في لحظات ضعفه، ونلتمس العذر قبل أن نصدر الحكم، ونمنح الناس فرصة ثانية وثالثة. كم من صداقة كادت تنتهي بسبب سوء فهم، وكم من زواج كاد ينهار لأنّ أحد الطرفين رأى القشرة ولم يرَ الجوهر.
* على مستوى المجتمع
المجتمع الذي يبحث أفراده عن الخير في بعضهم البعض هو مجتمع متماسك متراحم. أما المجتمع الذي يتربّص بعضه ببعض، ويبحث عن الزلّات، ويفسّر كل فعل بأقسى تفسير ممكن، فهو مجتمع مريض بالوحدة رغم ازدحامه.
* على مستوى الذات
عندما نبحث عن الخير في الآخرين، نتعلّم أن نبحث عنه في أنفسنا أيضًا. نتصالح مع عيوبنا، ونعرف أنّ فينا بذور طيبة تستحق الرعاية، تمامًا كما نرعى بذور الخير في غيرنا.
---
سادسًا : رسالة إلى من ظُنّ به السوء
إذا كنتَ أنتَ ذلك الشخص الذي لا يرى الناس طيبته، الذي يُساء فهمه، الذي يُحكم عليه من ظاهره، فاعلم أنّ الخير الذي فيك لا يحتاج إلى شهادة أحد. هو موجود، حقيقي، وسيقطف ثماره من يعرف قيمته. لا تُطفئ نورك لأنّ بعض العيون لم تعتد عليه. استمرّ في العطاء، فالدنيا لا تخلو من قلوب ترى ما وراء السطح.
---
خاتمة : كن أنت اليد التي تلمس
الحياة أقصر من أن نقضيها في إصدار الأحكام، وأجمل من أن نعيشها على السطح. في كل إنسان نلتقيه – في المتجر، في العمل، في الطريق، في البيت – هناك قصة، هناك جرح، هناك خير ينتظر أن يُرى.
فلنكن نحن تلك العيون التي ترى ما لا يُرى، وتلك الأيدي التي تلمس الجانب الطيب فتوقظه. فلنكن نحن من يقول للآخر دون كلمات: **"أنا أرى الخير فيك، حتى لو لم ترَه أنت في نفسك."**
لأنّ أعظم هدية يمكن أن يقدّمها إنسان لإنسان هي أن يؤمن بخيره قبل أن يؤمن هو به.
> *فما أجملَ الدنيا إذا نظرنا إليها بعيونِ الرحمة، وما أوسعَ القلوبَ إذا اتّسعتْ للناسِ كلِّهم.*
---
وأخيرًا : تذكّر دائمًا أنّ الخير في الناس ليس استثناءً نادرًا، بل هو القاعدة التي شوّشت عليها جراح الحياة. ومهمّتنا ليست أن نخلق الخير فيهم، بل أن نزيل الغبار عنه ليظهر. وهذا، في حدّ ذاته، من أنبل ما يمكن أن يفعله إنسان لإنسان.
عمر عبدالله عوض / أبو ثائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق