الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

«كيمياء الحقيقة» ✮✮✮ 🖊 الشاعر طاهر عرابي

«كيمياء الحقيقة»

طاهر عرابي
دريسدن، 13.09.2023 | نُقّحت في 15.09.2026


في عالمٍ يعجّ بالجمال،
نقتفي أثر الحقيقة
في وهج الصورة،
ونسأل:

هل نجرؤ على مديح الجمال
من غير خوف؟

الجمال، والحيرة،
والحقيقة…
سلسلةٌ كونيّة؛
عينٌ تمتدّ إلى الأفق،
وكونٌ ينبض في قلب الإنسان.

لكنّنا ننكسر في اللغة
أمام من اختار الزيف،
فنلوذ إلى صمتٍ
يربّي وحشته فينا،
ونحمل التعب
بلا أنين.

ننتظر في ظلمة الشرنقة
أن يتحقّق الوعد،
كأنّ المصير
يتعرّف على ذاته.

هي فراشةٌ، ونحن بشر،
غير أنّ شرنقتنا
صفاءٌ ينبض،
وضميرٌ لا يُكسر.

نُتقن الكتمان
كي لا تُفضَح هشاشتنا،
ونحتفل سرًّا
بما لم نقله،
ونحلم أن يتلألأ
في عيونٍ بعيدة؛

عيونِ أصدقاء
لم نلمس أيديهم،
لكنّنا عبرنا إليهم
بشغفٍ يشبه ضياعنا
في الوجود.

نتباهى بهم،
وهم يخفون ملامحهم،
نراكمهم في صورٍ زرقاء،
ونجهل إن كانت أرواحهم تُزهر.

تمرّ السنوات صامتة،
رتابةٌ تتناسل من رتابة،
وشكوكٌ في جدوى الغد،

حيث لا جديد
سوى الأمس العالق
في رسائل تتكدّس.

كأنّ صوتًا خفيًّا
يهمس من بينها:

“أنا أتفاعل
في إناءٍ صغير،
تحت درج البيت،
بمصباحٍ خافت.
لم أودّع أحدًا،
ولم يفتقدني أحد.

أنا موجودٌ
بالشكل الذي يناسبني،
بلا مرآة،
أتفاعل في الظل،
لكنني أفقد الانتماء.”

لم ندرك بعدُ
أننا جسدٌ واحد،

وأنّ البراعم تكتنز
سرّ العطور،
كما يخبّئ المحار
درّته في العتمة،
قبل أن تتجلّى
على صدر البحر.

ولم نلج بعدُ
مملكة النحل والنمل،
حيث الوفاء
غريزةُ الكائنات،
وحيث الخيانة
ظلٌّ بلا جسد.

نبحث عن أرض الإخاء،
لكنّ خطواتنا تتعثّر في الطمع،
ونُلقي باللوم على المطر،

كأنّ الطوفان
هو المذنب الوحيد
في جفاف القلوب.

ما زلنا نختبر
كيمياء الوجود،
نمسك جمرة التجربة،
ونتزيّن بتراث الفجيعة،

لكنّنا لا نتقن
سوى اشتعال القنابل،
وتفاعل الجشع
في زوايا الأرض.

العصافير لا تعرف الكراهية،
والأفاعي لا تفتك
إلّا بدافع الجوع.

أمّا نحن،
فنرقب الخراب
وهو يتمدّد كسيلٍ
انفتق من تكدّس العفن.

وعند العفن
ينقطع أثير التواصل،
ويولد الحزن
من رحم الفقد.

لكنّ الحزن
ليس سيّد الحياة؛
التغريد سيّدها.
كم من الأشياء
لا نفكّر فيها،

ومع ذلك تمضي
في انسجامٍ خفيّ،
تقسو، وتترنّح،
ثم تلد يقظةً جديدة.

الحقيقة تبقى.

لا تكترث
بفوضى المارقين.

وحين نحاول
طمسها بوشاح النفاق،
تسطع من جديد،
كأنّها
كيمياء الخلود.

الخوفُ
قاتلٌ بلا محاكمة.

وإن لم نبارك الحقيقة
في سعيها إلى نصرة الحياة،

ستتلاشى القيم،
وتبقى الكيمياء
تلهو بالفراغ.

نحن أحرارٌ
في هذا الفضاء،
والأرض أمٌّ صبورة
تغذّينا
بكيمياء البقاء؛

فهل نوفي لها الدين
بأن نعيش بلا زيف؟

انقلبت الأواني
على خاصرة البحر،
فانكشفت
كيمياء وجوهنا،

وتكشّف السرّ.
اصطدنا أسماكًا تكرهنا،
وبتنا…
نتبادل الصور.

ط. عرابي — دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق