"حين حضر الملل"
دخل عليّ اليوم.
لم يطرق الباب.
الملل ليس فراغاً.
الملل مادة.
كثيفة، لزجة، تلتصق بجدران الروح من الداخل، وتكتم أنفاس العقل.
ونحن نهرب منه كمن يفرّ من وباء.
"تقليب الفراغ." أغنية. رسالة. أي ضجيج.
المهم ألا نجلس معه ولو لبرهة.
تعال إذن أقصّ عليك ما حدث:
في العشر الثواني الأولى: ضيق.
إحساسٌ بأنك ستضيع إن لم "تفعل" شيئاً.
ومن العاشرة إلى الثلاثين: يبدأ العقل يصيح
"تذكّر فواتيرك، أخطاءك، ما لم تقله"
كأنه لا يريد لك راحة.
يريدك مشغولاً... ولو بجلد نفسك.
وبعد الدقيقة الأولى... حدث الغريب.
خفت الصخب.
وبدأت الأفكار الكبرى تتسلل.
رويدا، رويدا.
تلك التي دفنّاها تحت ركام "أنا مشغول".
فكرة كتاب.
فكرة اعتذار مؤجل.
فكرة قرار أخّرناه سنين.
فكرة سجدة طال انتظارها.
فهمت حينها:
الملل هو غرفة العمليات التي يدخلها عقلك، حين لا مخدّر.
نحن نخافه لأنه يعرّينا.
بلا إشعارات... من أنت؟
بلا مهام... ماذا تشتهي حقاً؟
بلا جمهور... عمّ تفكر؟
لذلك ما من اختراع عظيم وُلد في اجتماع.
وُلد في لحظة كهذه.
نظرة في السقف.
مشي بلا هدف.
انتظار حافلة تأخرت.
وهذا قانوني الجديد:
"لا تقتل الملل. استنطقه."
اسأله: لم أتيت الآن؟
ماذا تهمس لي وأنا مشغول دائماً؟
وفي الختام فهمت...
أن الحياة ثمانين بالمئة منها لحظات كهذه. "ملل"
غسيل. طريق. انتظار. روتين.
إن قتلت الثمانين... قتلت عمرك.
وإن جالسته...
اكتشفت أنه لم يكن عدوّك.
كان باباً.
ووراءه أنت الحقيقي.
فإذا حضر الملل في المرة القادمة...
لا تهرب.
اجلس.
وانظر ماذا سيخرج منك
حين لا يراك أحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق