الاثنين، 14 سبتمبر 2026

من وحي الجدران القديمة ✮✮✮ 🖊 ✍️ د.طارق حميدو

من وحي الجدران القديمة 💙🤍

 ✍️ د.طارق حميدو

وأحيانًا يكفي أن تمرّ رائحة تشبه رائحته
أو يجيء صوت من بعيد يشبه صوتًا قديمًا
فتفتح الذاكرة أبوابًا ظننا أننا أغلقناها منذ سنوات.

نعود فجأة إلى شارع لم نمشه منذ زمن.
إلى نافذة كانت تطل على صباحاتنا.
إلى مقعد جلسنا عليه ونحن لا نعرف أن تلك اللحظة ستصبح يومًا ذكرى.

نشتاق إلى تفاصيل صغيرة لم نكن ننتبه إليها وقتها.
ضوء الشمس على الحائط.
صوت خطوات في الممر.
رائحة القهوة.
ضحكة عابرة.
ووجه كان وجوده يجعل المكان أكثر دفئًا.

الغريب أننا لا نشتاق إلى الأشياء وهي كما كانت.
نشتاق إليها كما حفظناها في قلوبنا.

فالذاكرة لا تحفظ المكان كما هو.
إنها تحفظ إحساسنا به.

ولهذا قد نعود إلى المكان نفسه فلا نشعر بشيء.
ننظر حولنا ونقول:
هنا كانت أجمل أيامنا.
لكننا لا نجد الأيام.
نجد الجدران فقط.

لأن الذي نفتقده لم يكن المكان وحده.
كان الزمن الذي عاش فيه المكان.
وكانت أرواحنا التي كانت تسكنه معنا.

ربما لهذا نخاف العودة.
نخاف أن نكتشف أن المكان لم يتغير وحده.
نحن أيضًا تغيّرنا.

كبرنا.
فقدنا أشخاصًا.
تبدلت أحلامنا.
وخفتت أشياء كانت في قلوبنا مضيئة.

فنظل أحيانًا أوفياء لصورة قديمة.
نحرسها من الحقيقة.
ونتركها في مكانها الجميل داخل الذاكرة.

وكلما اشتقنا إليها
لا نذهب إليها بأقدامنا.
نذهب إليها بقلوبنا.

نغمض أعيننا لحظة.
فتعود الرائحة.
ويعود الصوت.
وتعود الضحكة.
ويعود نحن…

نعود كما كنا.
قبل أن يمرّ بنا العمر.
وقبل أن نعرف أن بعض الأماكن لا نعود إليها أبدًا.

لأن أجمل ما فيها
أنها بقيت كما تركناها في قلوبنا.

فالحنين ليس أن تشتاق إلى مكانٍ مضى.
الحنين أن تشتاق إلى نفسك حين كان ذلك المكان وطنًا لك.

أصل الأماكن مش حيطان
ولا شوارع ولا عنوان
دي لحظة عاشت جوانا
وبقت مع الأيام إنسان

يمكن أنا مش وحشني المكان
قد ما وحشني أنا زمان
وحشني قلبي لما كان
لسّه بيصدق في الأمان

 ✍️ د.طارق حميدو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق