الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مقعد في محطة لا تأتي ✮✮✮ 🖊 الكاتب محمد بنداحة

مقعد في محطة لا تأتي
محمد بنداحة/المغرب

 جلست على المقعد الخشبي العتيق، في محطة لم يعد يمر بها قطار. كان المقعد يحمل اسمي محفورا بالأظافر، أو ربما كان يحمل اسم كل من جلس عليه قبلي، وانتظر شيئا لم يأت. 
لا أتذكر متى بدأت الجلوس هنا، ولا متى صار الانتظار وطني الوحيد. في البداية، كنت أعد القطارات. كان العابرون يقولون لي: "القادم بعد ساعة". ثم "بعد ساعتين". ثم توقفوا عن الكلام، وتوقف العد، وتوقف الزمن عن المرور من هذا الرصيف. صارت المحطة معدتي الفارغة، التي تهضم الغياب وتتقيأ الذكريات. 
كانت ليلى تجلس بجانبي. لم تكن هنا، لكنها كانت تجلس. أشم عطرها في خشب المقعد، وأسمع ضحكتها في صرير المفصلات، وأرى ظلها في الظهيرة، ممدودا على الرصيف، أقصر من حزنها، أطول من انتظاري. 
قالت لي مرة، قبل أن ترحل إلى مدينة لا يعبر قطارها من هنا: "الانتظار ليس ضعفا، بل شكل من أشكال الحب". صدقتها، فبقيت، لكني اكتشفت لاحقا أن الانتظار الطويل لا يعلمك الحب، بل يعلمك كيف تصنع من نفسك محطة كاملة، بلا قطارات، وبلا ركاب، وبلا جدول زمني. 
مرت بي سنوات، أو ربما ساعات. لم أعد أفرق بين الوقتين، لأن الوقت في المحطة المهجورة لا يقاس بالدقائق، بل بعدد المرات التي تنهض فيها لتتحقق من اللوحة، فتجدها فارغة، إلا من صدأ يزحف على الأسماء.
 جاءني رجل عجوز، قبل أن تغلق المحطة أبوابها نهائيا. جلس على الطرف الآخر من المقعد، وأخرج ساعة جيبية، ونظر إليها طويلا، ثم قال: "أنا أيضا أنتظر قطارا لم يأت. لكني تعلمت شيئا واحدا: القطارات التي لا تأتي هي التي تعلمنا كيف نمشي".
 نظرت إليه، ولم أقل شيئا. نهض، وربت على كتفي، ومشى نحو الباب المغلق، ثم التفت وقال: "أنت لا تنتظر ليلى، يا بني. أنت تنتظر نفسك". 
في تلك الليلة، فهمت. كانت المحطة مرآة كبيرة، وكنت أرى فيها وجهي، لا وجهها. كنت أقول: "لو عادت، سأرحل معها"، لكني في الحقيقة كنت أقول: "لو عادت، سأعود إلي".
 وقفت من على المقعد. مسحت الغبار عن ساقي. لم أنظر خلفي، لأنني أعرف أن المحطة ستبقى هنا، ومقعدها الخشبي سيبقى، وليلى ستظل تجلس عليه في مخيلتي، عطرا وضحكة وظلا، لكنني، أنا، لن أبقى. مشيت نحو الباب المغلق، وفتحته بيدي. كان الهواء الخارجي باردا، لكنه حي. كان يحمل رائحة المطر، لا رائحة الصدأ. وأدركت، في تلك اللحظة، أن المحطة ليست المكان الذي ننتظر فيه من نحب. المحطة هي اللحظة التي نكتشف فيها أننا كنا ننتظر من نحب ليعيدنا إلينا. وإذا لم يأت، فنحن من يجب أن يأتي. إلى نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق