«ورعٌ ناقص»
طاهر عرابي
دريسدن -16.09.2026
——-
كيف يهاجر المطرود،
وفي يده كتابٌ مقدّس؟
يحمله كما يحمل الغريق
قطعةً من المرآة؛
لا لينجو،
بل ليتأكد
أن وجهه ما زال يتبعه.
كلما اتسع البحر
ضاق ما يتذكره،
وخلفه
كانت الأرض تجمع أسماء أصحابها،
وكانت النوافذ
تعرف من يمرّ تحتها
من وقع الحنين وحده.
لكنه مضى.
ترك الباب مواربًا
كأن عودته تأخرت فقط،
وترك على الجدار
ظلًّا خفيفًا
ينقصه صاحبه.
في الطريق
سقطت أشياء كثيرة:
سقط الوجه أولًا،
ثم الصوت، ثم اللغة
تلك التي كانت تعرف
كيف تناديه
دون أن تذكر اسمه.
وفي ليلة باردة
سقطت الطمأنينة أيضًا،
كثمرةٍ نضجت
في غير موسمها.
وكان كلما ابتعد
ازداد يقينًا
أن الخرائط
ليست سوى أخطاء
رسمها المنتصرون
ثم صدّقها الجميع.
نملأ شقوق أرواحنا
بورعٍ ناقص،
وحين يتسرّب الضوء منه
نسمّيه صبرًا.
كلما التفتَ إلى معنى رآه ناقصًا،
إلى أين يذهب النصفُ الأخير؟
تُعفى الأشياءُ من بريقها،
ولا يُعفى الأملُ من ورعه.
نرفع ما لا يُرفع
على أكتافنا؛
لا لأن الحمل ثقيل،
بل لأن الاعتراف
أثقل.
ونشير إلى السماء
بأصابع مرتجفة،
بينما تنادي الجذور من الأسفل
كأم تُركت وحدها
في آخر العمر.
ومن شدّة ما برّرنا الغياب
تكسّرت حججنا في أفواهنا،
واحدةً تلو الأخرى،
كأكواب ماء
سقطت على صخرة
ولم تترك فيها أثرًا.
من أنت،
وأنت تفتّش في المنافي
عن معبد؟
وأيّ معبد
يتّسع لوحشة إنسان
اقتلع جذوره بيديه،
ثم أمضى عمره
يلعن الريح؟
في الغربة
تتساقط الأسماء الزائدة،
وتنطفئ الأصوات الكثيرة،
ولا يبقى مع الإنسان
إلا ذلك الغريب
الذي أخفاه طويلًا
في أعماقه.
ولا يبقى
إلا سؤال واحد:
كيف ينجو
من فقد أرضه،
إذا كان قد فقد قبلها
الطريق إليها؟
وكيف يعود،
بعد أعوام طويلة،
ليكتشف أن الأرض
لم تغادره قط،
وأن الذي رحل
كان جزءًا منه
لا يعرف كيف يرجع؟
ط. عرابي - دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق