الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

بصوت روح ✮✮✮ بقلم الأديبة هيفاء البربجاوي

كاسك يا وطن 

يا ذاكرةَ السماءِ،
يا قصيدةَ نوحٍ حين كان الفلكُ
وعدَ النجاة،
ويا سَلوى الأجدادِ حين كان الصبرُ
زادَ الحكاية،
يا صوتَ أمِّ ثمودَ
حين ظلَّ الرملُ يحفظُ في أبجديته معنى الفداء .
ويا أرضًا كلما أوجعَها الزمان
نهضتْ من رمادها
لتكتبَ للغدِ معنى البقاء.

يا سورية،
يا ذاكرةَ الماءِ والتراب،
يا أمَّ الحكاياتِ الأولى،
اجمعي شتاتَ القلبِ في قلبك،
وردّي للبيوتِ دفئَها 
وللطرقاتِ خطوَ أهلها،
وللأمهاتِ طمأنينةَ الانتظار.

افتحي لنا منافذ نورك  
وازرعي بحقول ياسمينك 
بذور زيتون  تعشق أرضها 
لنصافحَ بعضَنا بعضًا
لا كي نمحوَ ما كان
بل كي نصنعَ من وجعِ الأمس
جسرًا إلى غدٍ أكثرَ رحمة.

ولنرفعْ في ميدانكِ رايةَ الحب،
فالحبُّ لا يلغي دستورًا،
ولا يمحو اختلافًا،
ولا يطلبُ من الإنسان
أن يتخلى عن إنسانيته؛
بل يبني الإنسان،
ويصونُ كرامته،
ويحفظُ حقَّه،
ويجعلُ من العدلِ بابًا،
ومن الرحمةِ وطنًا،
ومن المودةِ لغةً
يفهمُها الجميع.

يا ذاكرةَ السماءِ،
علّمينا أن الوطنَ ليس ميدانًا للغلبة،
بل ميدانٌ تتسعُ فيه القلوب،
وأن أعظمَ انتصارٍ
أن نرى الإنسانَ في الإنسان.

فلتتصافحِ الأيدي،
ولتلتقِ القلوب،
ولتعلُ في سماءِ البلاد
رايةٌ واحدة:
رايةُ السلام.

ولنكتبْ في آخرِ سفرِنا:
لا غالبَ في الوطنِ إلا المحبة،
ولا خاسرَ فيه إلا الكراهية،
ولا دستورَ أسمى من كرامةِ الإنسان،
ولا وطنَ أجمل
من وطنٍ يتسعُ للجميع.

يا حماةَ الرسالة،
يا حاملي مفاتيح عهد تفتح به بوابات السلام 

في أعناقكم عهدُ الإنسان،
هذه رسالةُ رحمةٍ
تجيءُ بوجلِ التقدير،
لا تحملُ خصومةً،
بل تحملُ صوتَ أمٍّ
لا يزال جرحُها طريًّا،
تبحثُ في الصباح
عن وجهٍ غاب،
وفي المساءِ عن قلبٍ
لم يتعلم كيف ينسى.

تأتيكم من شيخٍ
يرى سقفَ بيته يميلُ إلى السقوط،
ويضمُّ ما تبقى من بيته بيدين مرتجفتين
كأنه يحمي ما تبقّى من عمره.

ومن رجلٍ بُترت ساقُه،
ثم عاد إلى الحقل،
يغرسُ بقدمٍ واحدة
أملَ البلاد،
كأن الأرضَ علّمته
أن من فقدَ بعضَ خطاه
لا يفقدُ حقَّه في الوصول.

وتأتيكم من الشوارع،
تلك الشوارع التي لا تنسى،
فهي تحفظُ أسماءَ الذين صنعوا التاريخ،
وتحفظُ خطى العابرين،
وضجيجَ الأفراح،
ووجعَ الذين مرّوا بها
ثم غابوا تحت ترابها.

فكونوا للناس رحمةً،
وللجراحِ يدًا تمسحُ عنها غبارَ السنين،
وللوطنِ قلبًا يتسعُ للجميع.
لا نريدُ من الغدِ أن يمحوَ الأمس،
بل أن يتعلمَ منه،
ولا نريدُ وطنًا ينتصرُ فيه طرفٌ على طرف،
بل وطنًا ينتصرُ فيه الإنسان.

افتحوا للسلامِ أبوابه،
ودعوا ميدانَ الحبِّ يتسع،
فما أعظمَ القائد
حين يكونُ صوتهُ جسرًا،
وقرارهُ رحمةً،
ويدهُ أمانًا،
وما أكرمَ وطنًا
يعودُ فيه الجريحُ إلى بيته،
والشيخُ إلى سقفه،
والأمُّ إلى طمأنينتها،
والشارعُ إلى ذاكرتهِ الجميلة.

يا حماةَ الرسالة،
هذه ليست صرخةَ وجعٍ فحسب،
بل دعوةُ قلبٍ
يريدُ أن يرى الوطنَ
يتصافحُ مع أبنائه،
وأن تتحولَ ذاكرةُ الألم
إلى ذاكرةِ بناء،
وأن يكونَ الغدُ
أوسعَ من الجرح،
وأرحبَ من الخلاف،
لميدان من الصبر والرحمةِ والسلام.

بصوت روح قلم 
ابنة سنابل الامتنان 
ابنة ياسمين الشام 
هيفاء البربجاوي

كاسك يا وطن :كأسُ عهدٍ ووفاء، نرفعها لتاريخٍ ما انحنى، ولأرضٍ حفظت خطى الآباء، ولذاكرةٍ ما أطفأت جذوتها السنون. 

كاسك يا وطن، من نخبِ الياسمين حين يضيء على شرفات الشام، ومن ماء بردى حين يحمل في جريانه حكايات العابرين، ومن حجارة المدن التي عرفت للحضارة اسمًا وللإنسان مقامًا. هي كأسٌ من عبق التاريخ، نملؤها بكرامة الأجداد، ونرفعها بأرواحٍ ما زالت تؤمن أن الوطن ليس ترابًا نخطو عليه، بل روحًا تسكننا، ووشاحُ سموٍّ نلفّه حول القلب كلما اشتدّ عليه الحنين. 

كاسك يا وطن:سلامًا على مجدك، ووفاءً لجرحك، ومحبةً لأهلك، ورجاءً أن يبقى غدك أوسع من كل وجع، وأن يظل اسمك مكتوبًا في سجلّ الأيام بحبر العزّة والسلام.

«كاسك يا وطن»… 
نخبٌ لا يُشرب بالكؤوس، بل بالأرواح،ولغزٌ كلما حاولنا فكّ شفرته، وجدنا في أعماقه وطنًا آخر يسكننا. 
هويةٌ ممتلئةٌ بعشق الأرض، بعبق الآباء، بذاكرة الأزقة التي حفظت خطى العابرين، وبالياسمين الذي لا يكتفي بأن يفوح، بل يشهد أن للجمال ذاكرة. «كاسك يا وطن» تعني أن نرفع لك كأس القلب، لا ابتهاجًا عابرًا، بل وفاءً لما تركته فينا من معنى ،نرفعها للحب حين يكون وطنًا، وللسلام حين يصبح شجاعة، وللإنسان حين يعلو فوق جراحه ويختار أن يزرع في أرضه سنابل الغد بدل أن يورثها رماد الأمس. 
إنها نخبُ الهوية التي لا تنغلق على ذاتها، بل تفتح ذراعيها للآخر، ولغزُ الانتماء الذي لا يكتمل إلا بالمحبة، ووشاحُ سموٍّ منسوجٌ من التاريخ والعشق والرجاء. كاسك يا وطن… 
لك من القلب نخبُ الوفاء، ومن الذاكرة نخبُ الأصالة، ومن الغد نخبُ السلام ،فأنت الحكاية التي كلما ظننا أننا بلغنا آخر سطورها، بدأت في أرواحنا من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق