"كم قلت لك يا أماه"
رفعتُ صوتي في وجهها بضيق:
— كم مرة قلت لك يا أماه أن القبلة تكون من هذا الاتجاه؟!
ارتجفتْ يداها الصغيرتان، وانحنى رأسها الأبيض كسنبلة أثقلها الندى، ثم همستْ باعتذار:
— سامحني يا ولدي... نسيت.
انصرفتْ إلى غرفتها بخطوات واهنة، وعدتُ إلى فراشي. لم أكن أعلم أن "نسيت" تلك كانت أول خيط ينقطع في نسيج ذاكرتها.
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على جرس الباب يقرع بعنف. فتحتُ، فوجدتُ ابن الجيران يمسك بيد أمي العجوز، وهي تنظر إليّ بعينين ضائعتين كطفلة فقدت طريقها في سوق مزدحم.
قال الجار بصوت مرتبك:
— رأيتُ خالتي في الشارع... كانت تسير بلا اتجاه، وكأنها تبحث عن بيت لا تعرفه.
نظرتُ إليها. كانت تحمل كيس خبز يابس، وتلك النظرة... تلك النظرة التي لم أرها من قبل. نظرة غريبة لا تشبه أمي.
أخذتها إلى الطبيب بعد أيام، بعد أن تكرر النسيان: مفتاح البيت، اسمي، وجهي أحيانًا. جلس أمامي، ثم رفع عينيه وفيها شيء من الحسرة الثقيلة:
— مع الأسف... أمك مصابة باختلال الحواس...
شعرتُ أن الأرض تنشقّ تحت قدميّ. اختلال الحواس؟ أمي؟ التي كانت تحفظ أسماء كل أبناء الحي، وتتذكر موعد لقاحي وأنا طفل، وتحفظ تفاصيل يومي أكثر مني؟
في تلك الليلة، دخلتُ غرفتها. كانت جالسة على حافة السرير، تحدّق في الحائط. جلستُ أمامها على الأرض، ووضعتُ رأسي في حضنها كما كنت أفعل صغيرًا.
همستُ:
— أماه... هل تعرفين من أنا؟
نظرت إليّ طويلًا. مدّت يدها المرتجفة، ولمست وجهي كمن يلمس ذكرى بعيدة. ثم ابتسمت ابتسامة غامضة، وقالت:
— أنت... أنت ولدي الذي كان يبكي كل ليلة من الخوف... وكنتُ أحمله و ألولي له حتى ينام.
دمعتْ عيناي. تذكرت. تذكرتْ!
لكنها عادت تسأل بعد لحظات:
— ومن أنت يا بني؟
في الصباح، دخلتُ عليها بكوب الشاي الذي تحبه. وجدتها نائمة بسلام، وعلى وجهها ابتسامة هادئة. اقتربتُ منها، وقبّلتُ جبينها.
همستُ في أذنها:
— سامحيني يا أماه... ما أبكاكِ ليس النسيان، بل أنني تذكّرتُ متأخرًا كم كنتُ قاسيًا حين قلتُ لكِ: «كم قلتُ لكِ يا أماه»…
رحلت عن ذاكرتك أشياء كثيرة، لكنكِ تركتِ في قلبي ذاكرةً لا تموت.
سامحيني يا أمي… فبعض الندم يأتي بعد فوات الأوان.
ثم أضفتُ والدموع تخنق صوتي:
— لكن قلبي... لن ينساكِ أبدًا.
نهایة
بقلم توفيق بني جَميل الأهوازي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق