الياسمينة الرابعة..
وهي ألا أتعامل مع من أحبهم وكأن وجودهم مضمون في حياتي..
وألا أؤجل كلمة «أحبك» أو حضنا، أو اعتذار، أو لحظة جميلة إلى وقت آخر, لأننا لا نملك ضمانا بأن الوقت الآخر سوف يأتي.
فثمة لحظة في حياة الإنسان تظل عالقة في الذاكرة، لا تمحوها الأيام، ولا يخفف وقعها مرور الزمن، إنها لحظة اللقاء الأخير بمن نحب، دون أن نعرف أنها الأخيرة.
أتذكر المرة الأخيرة التي رأيت فيها أمي، وأتذكر حضنها الأخير. لم يكن كأي حضن سابق، كان حضنا امتزج فيه الدفء بالألم، والطمأنينة التي يختبئ خلفها الفراق. كان حضن الوداع، لكنني لم أكن أعلم أنه الوداع الأخير.
بعد ذلك توفاها الله، فكان ذلك اليوم هو آخر مرة أراها. وبعد وفاتها، لم أعد أبدا كما كنت، فقد أخذ رحيلها شيئا من قلبي، وترك في داخلي فراغا لا يملؤه أحد.
وربما كان أصعب ما في الفقد أننا لا نعرف متى يكون اللقاء الأخير.
نحن نودع من نحب كما نفعل كل مرة، ونقول «إلي اللقاء»، ونؤجل حديثاً، أو حضنا، أو زيارة، أو كلمة نريد قولها، ونحن نظن أن أمامنا متسعاً من الوقت. ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن ما ظنناه تأجيلا, كان في الحقيقة فرصة لن تتكرر.
لذلك علمني الفقد أن أحب من أحبهم الآن، لا غدا.
أن أقول لهم ما أشعر به، وأن أحتضنهم حين أشتاق إليهم، وأن أطمئن عليهم، وأن أكون حاضرة في تفاصيلهم الصغيرة، وألا أبخل عليهم بكلمة أو لحظة جميلة.
علمني ألا أتعامل مع وجود أحد في حياتي وكأنه مضمون، فالحياة متغيرة، والأقدار لا تستأذن، والرحيل لا يخبرنا بموعده.
فبعض الأشخاص الذين نحبهم ليسوا جزءا عابراً من حياتنا, بل هم جزء من أرواحنا. وحين يرحلون، لا يرحلون وحدهم، بل يأخذون معهم شيئاً منا لا يعود. وبعض الأماكن في القلب لم تخلق إلا لشخص واحد، فإذا رحل، بقي مكانه كما هو... لا يمكن لأحد أن يملؤه من بعده
لذلك إن كان ثمة شيء أريد أن أتذكره كل يوم، فهو أن أقدر من أحبهم قبل أن يصبح وجودهم ذكرى، وأن أعيش معهم اللحظات قبل أن تصبح مجرد ذكريات، وأن أقول لهم كل ما أريد قوله قبل أن يتحول الكلام إلى صمت موجع.
فلا أحد يملك وعدا باللقاء القادم، ولا أحد يعرف أي لحظة ستكون الأخيرة...
لذلك، أحبوا من تحبون، وأخبروهم بحبكم, واحتضنوهم حين تشتاقون إليهم، وكونوا بقربهم ما استطعتم.
لقاء اخير..
مر كأي لقاء
ولم أكن أدري
أنه كان وداعا.
في حضن أمي..
كان الدفء يخفي فراقا
وكنت أجهل
أنه الحضن الأخير.
مكان في القلب..
لم يخلق إلا لها
رحلت أمي
وبقي المكان.
لاتؤجلوا الحب..
فالوقت ليس لنا
قد يسرقه الغياب
قبل اللقاء.
عقد الياسمين
بقلمي رشا القمحاوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق