"من يزرعُ الأملَ إذا انشغلَ الأديبُ بِزرعِ اليأسِ وثقافة الموت في النُفوس؟"
علي البدر والتحليل النقدي لقصة "النداء الخفي" للروائي والناقد أياد خضير الشمري.
1) القصة:
لايزال الحزنُ العائد من الزمن الهارب، مسيطرٌ عليه.. إنّه إنسان أخرق، لا فائدةَ منه.. حاول القيام ببعض الأعمال، لكنْ دون جدوى، فشل في كلّ المحاولات، الموت يغلق بوجهه جميع الأبواب ولا يفتحها.. أين هو؟ لا يدرك نفسه.. سرب غربان سوداء تناديه، نداء خفي، ان يطير معها الى عالم آخر بعيداً، تداهمه أصوات غامضة تنبع من داخله..فيهدّه التعب، يستلقي في شرفته المطلّة على الشارع، ينام، يرفرف بيديه، يتهيأ للطيران، يبتسم، يرتفع إلى السماء فيشعر بالنشوة، يهوى إلى اسفل تبقى أبتسامته مشرعة، لكن بلا أنفاس..
2) التحليل النقدي:
تتناول القصة القصيرة "النداء الخفي" لإياد خضير الشمري موضوعات ذات طابع وجودي، حيث تسلط الضوء على صراع داخلي entire conflict يعيشه بطل القصة، تمثله عزلة قاتلة، عجز وجودي Existential Impotence، ورغبة مدمرة في التحرر من قيود الحياة. النص يعتمد على لغة شاعرية مكثفة وأسلوب الشخص الثالث الغائب third person وعناصر رمزية مثل "سرب الغربان السوداء" و"النداء الخفي" لتجسيد الحالة النفسية للبطل.
اتسمت لغة النص بقدرة مكثفة تختزل الكثير من المشاعر في كلمات قليلة. الوصف يركز على إبراز المعاناة الداخلية للبطل، حيث يتجلى الحزن في شكل كيان ملموس يتحكم في مسار حياته. الصور الرمزية (مثل الغربان السوداء) تضفي بعدًا نفسيًا عميقًا، حيث تعبر عن الظلام واليأس الذي يعيشه البطل. وقد اقترب بطل القصة من الإنسان الذي يشعر بالعجز والاغتراب alienation. الذي جعله غارقًا وسط حالته النفسية التي تجعله يرى العالم مغلقًا أمامه، وكأن الموت نفسه يرفض احتضانه، مما يعكس مأزقًا وجوديًا عميقًا ويأسًا وفقدان الأمل في الحياة.
وبالنتيجة لابد من الخلاص والبطل وسط عزلة نفسية واجتماعية منحته عدم الثقة بالنفس خاصة بعد فشل محاولاته في إيجاد عمل يشغله ويساهم في تثبيت كيانه لكن انغلاقا نحو الداخل ترسخ في ذهنه وكأن عقله الباطن يرشده لأحسن طريقة للخلاص وانهاء المعاناة والاحراج الذي يلفه. وهكذا كانت الغربان التي بدت وسيلة للخلاص والحرية عبر الطيران. لقد مثل النداء الخفي الصوت الداخلي الذي يدفعه نحو النهاية، وهو انعكاسًا لمشاعره المضطربة:" ينام، يرفرف بيديه، يتهيأ للطيران، يبتسم، يرتفع إلى السماء فيشعر بالنشوة، يهوى إلى اسفل تبقى أبتسامته مشرعة، لكن بلا أنفاس.."
ولابد من التساؤل: هل القاص اياد الشمري يحاول إشاعة وترسيخ اليأس والتشاؤم أم هناك رمز دلالي استعمل بذكاء لافت وهو علاج للتأزم والمعاناة؟ نعم هناك رمز دلالي هو (العمل) : "حاول القيام ببعض الأعمال، لكنْ دون جدوى، فشل في كلّ المحاولات". البطالة تقتل الطموح وتزرع الأزمات النفسية وتجعل الفرد في ضياع وغربة وهو وسط مجتمعة. فقر وعوز واذلال وهذا ما ركز عليه القيلسوف الألماني ماركس Karl Marks وأيضا قبله بقرون الامام علي بن ابي طالب عندما قال: "الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن.". وعندما يشعر الفرد بالظلم ولا يستطيع الانتقام من الذي ظلمه او اضطهده وجعله في حالة لا يحسد عليها، قد يلجأ الى ايذاء نفسه وحتى التخلص منها وهذا ما ركز عليه العالم النمساوي فرويد. Sigmund Freud
إن زرع بذور الثقة بالنفس ومقاومة التحديات لابد منها لأنها تساهم في تغيير السلبيات وتبشر بمساحات واسعة من التغيير نحو الأفضل. ومن الممكن الحفاظ على الرمزية العميقة للنص، مع إضافة عنصر يعكس قدرة الإنسان على تجاوز أزماته وإعطاء أسلوبا تفاؤليًا وقدرة المتأزم على تجاوز الحالة الصعبة. وممكن إضافة النص الحالي لتثبيت هذا التفاؤل: " في لحظة الطيران الوهمي، يستيقظ البطل من شروده و يسمع نداءً مختلفًا من داخله (ربما نداء الأمل أو الدعوة للصبر). و بدلاً من السقوط، يمكن أن يقرر مواجهة الحياة، مع إدراكه لقيمته كإنسان، رغم فشله السابق. خطوة صغيرة نحو التغيير، تعكس بداية رحلة جديدة.
وبرأيي المتواضع فإن الروائي والقاص إياد خضير الشمري أراد لفت أنظارنا والمتصدين لقيادة المجتمع، إلى ضرورة ملء الفراغ عن طريق العمل الذي يبني مجتمعًا بتغيير اسلوب الإنتاج أي التركيب التحتي للمجتمع infra structure الذي يتطور بواسطته التركيب الفوقي للمجتمع upper structureوالذي يشمل النظم والقوانين التي تتماشى مع النظام الاقتصادي المزدهر حيث القضاء تقريبا على أوقات الفراغ العبثية الناتجة من البطالة.
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق