الأحد، 30 أغسطس 2026

« محكمة العبث» ✮✮✮ 🖋 الشاعر طاهر عرابي

« محكمة العبث»
طاهر عرابي
دريسدن – 02.09.2024 | نُقّحت في 30.08.2026
———

كان يومًا حزينًا؛
لا تؤمن بشمسه الأرضُ، ولا السماء،
والكلُّ غارقٌ في متاهات الغياب،
حتى في أوقات الحضور.

الهواءُ يحرّك الأغصانَ المتعبة من حملها،
ويزيدها ذعرًا،
وزوارقُ البحيرةِ المحرومةِ من السكينة
لا تكفُّ عن إثارة الخوف في الأسماك الصغيرة.

كلُّ شيءٍ يوحي أنّه خُلق للضجر،
والبحيرةُ ترى الجميعَ فضلاتٍ تؤرّقها.

غرابٌ طائشٌ يعفّر الأرض،
كأنّه يبحث عن حصى،
ولعلّه — في عبثه — يظنّها كنزًا،
فيغضب الذين ينظرون إليه
ويرمونه بالعبثيّة.

قال الغراب هازئًا:

«دعوني أعفّر التراب؛
لأمضي الوقت بالتفاهة،
فالتفاهة قبل الحساب
هي البراءة الوحيدة التي نملكها.

وفي ساعات الحساب
ستُقدَّم أفعى
بتهمة الالتفاف حول عنق دجاجةٍ وخنقها.

أتباع الدجاج غاضبون؛
توقّفوا عن الطعام،
وهدّدوا بالانقراض.

والأفعى كانت قد اشتكت على حمارٍ عابر
دهس أجراسها وأسكتها لسنين،
فاضطرّت إلى الصيام
حتى تنمو الأجراس من جديد.

سيكون يوم المحكمة حزينًا،
وفيه يصبح الإيمان بالجمال خدعة؛
ففي المحاكم لا يتحدث أحد عن الجمال،
والقاضي كئيب.»

نعق ضفدعٌ أخضر على طرف الجدول:

«أيتها الأفعى،
ما الحكم عليك؟

هل سيقطعون رأسكِ
ويجعلون منكِ عبرة؟

أخشى أن يخشاكِ القاضي،
فيُسدل ستار العدالة بخدعة.

هل تذكرين محاولات ابتلاعي؟
لقد أنقذني ذكائي،
والذكاء لا علاقة له بالجريمة والعقاب.

لا بدّ من جمع الاتهامات،
لكنني لا أملك دليلًا
يجعل من القاضي رمزًا للعدالة.

سأرفع دعوى ضد الحذر؛
فهو يستهلك أحلامي.

لا بدّ من الانتصار على الأفعى.
فالظلام لا يُبدَّد بالمصابيح وحدها،
بل بالعيون أيضًا.»

قال الحمار دون دعوة:

«لا أشعر بالقلق ولا بعذاب الضمير.

كان الطريق طريقي منذ سنين،
ومن الغباء أن أتفحّص خطواتي.

كان على الأفعى
 أن تحذّر لنفسها في وسط الطريق.

فالأجراس لا تكفي لميلاد اليقظة.»

والضفدع محقّ:

الظلام لا يُبدَّد بمصباحٍ
يمرّ عليه الزمن.

كذبٌ.
الكلّ يكذب.

والأجراس ما وُجدت
للأنس
ولا للأعراس الجوفاء.

كان الغراب لا يصدّق ما يسمعه،
وهمس لنفسه:

«كلّ هذا يحدث،
وأنا أظنّ أنّ الجميع سعيد؟

كم استرخصت نفسي.

سأشتكي نفسي إلى القاضي
بتهمة فهم السعادة
على نحوٍ مذل.

ما أصعب أن تظنّ أنّ العالم سعيد،
ثم تجد نفسك في محكمةٍ لا تنتهي،
لأنّنا ما زلنا نقدّس الغفلة.

كان غدرًا حين رموني بالعبثيّة،
وكانت الحصى
هي البريئة الوحيدة.»

طار الغراب إلى غصنٍ عالٍ
وصرخ:

«سيشتكي العبث عليكم جميعًا؛
تصفون الآخرين به
وتنسون مرارة الصمت.»

مات القاضي بسبب قلّة الأدلّة.

ورُفعت الجلسة.

ط. عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق