أ.د. لطفي منصور
قُتَيْلَةُ بِنْتُ النَّضْرِ بنِ الْحارثِ تَرْثِي أباها الْمَقْتولَ:
كانَ النَّضْرُ بنُ الْحارِثِ بنِ عَلْقَمَةَ بنِ كَلَدَةَ بنِ عَبْدِ مَنافٍ بنِ عَبْدِ الدّارِ مِنْ أَعيانِ مَكَّةَ المَشْهورينَ، وكانَ أَعْتَى أعْداءِ النَّبِيِّ، وَمِنَ الْمُعارِضينَ الشِّدادِ لَهُ. لَمْ تَقْتَصِرْ مُعارَضَتُهُ عَلَى الْقُوَّةِ والأَذَى، وَإنَّما شَمَلَتِ الْفِكْرَ والدَّهاءّ.
فَبِحُكْمِ مِهْنَتِهِ تاجِرًا كبيرًا في قُرَيْشٍ، كانَ يُسافِرُ إلَى بِلادِ فارِسَ والْعِراقِ، فَحَذَقَ الفارِسَيَّةَ وقَرَأَ كُتُبَهم، مثل كِتابِ “كليلةَ وَدِمْنَةَ”، وَسِيَرَ مُلوكِهم مِثْلِ رُسْتُم واسفنديار. وكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويقولُ: محمَّدٌ يُحَدِّثُكم عن أساطيرِ الأَوَّلِينَ، وأنا آتيكم بِأَخْبارِ الأكاسِرَةِ وَسائِرِ الْمُلوكِ. وكانَ قَدْ عَرَفَ اليَهودِيَّةَ والنَّصْرانيَّةَ وَيَطْمَحُ أنْ يكونَ نَبِيًّا، وهكذا كانَ يُسَبِّبُ أَذًى لِلرَّسولِ عليه السَّلام، فَأَشارَ بَعْضُ المسلمينَ عَلَى النَّبِيِّ بِقَتْلِهِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ هناكَ أفْضُلُ مِنْها، فَأرْسَلَ إلَيْهِ عَلِيًّا وجماعةً فاحتزُّوا رَأْسَهُ. وكانَ ذَلِكَ سنة اثنتينِ مِنَ الهجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
ودارَتِ الأَيَّامُ، وَبَيْنَما النَّبِيُّ يَطوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ الْفَتْحِ عَرَضَتْ لَهُ فَتاةٌ جَمِلَةٌ، فَاسْتَوْقَفَتْهُ، وَجَذَبَتْ رِداءَهُ، حَتَّى انْكَشَفَ مَنْكِبُهُ، وَأَنْشَدَتْهُ شِعْرَها بَعْدَ قَتْلِ أَبيها. وهو: مِنَ الكامِلِ
- يا راكِبًا إنَّ الأثيلَ مَظَنَّةٌ
مِنْ صُبْحِ خامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
(الأثيل والأَثْلُ شجرٌ صَحْراوِيٌّ مِنْ نَوْعِ الطَّرْفاء، واحِدَتُهُ أَثْلَةٌ. تنادي وَتُخاطِبُهُ قائلَةً: أيُّها الرّاكِبُ! انتبِهْ لِطَريقِكَ، فالأثْلُ يُثيرُ الظَّنَّ، وقدْ مَرَّ عليكَ مُوَفَّقًا خمسةُ أصباحٍ.)
- أبْلِغْ بِهِ مَيْتًا بِأَنَّ قَصيدَةً
ما إنْ تَزالُ بِها الرَّكائِبُ تَخْفُقُ
(أَبْلِغْ بِهِ: أيْ بالقَصيد، المَيْتُ: والِدُها. الرَّكائِبُ جمعُ الرَّكْبِ وهو للجِمالِ فقط؛ تَخْفْقُ: تَلْهَجُ)
- مِنِّي إلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفوحَةً
جادَتْ لِماتِحِها وَأُخْرَئ تُخْنَقً
- فَلْيَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إنَ نادَيْتَهُ
إنْ كانَ يَسْمَعُ مَيْتٌ لا يَنْطِقُ
ظَلَّتْ سُيوفُ بَنِي أَبيهِ تَنوشُهُ
لِلَّهِ أَرْحامٌ هُناكَ تَشَقَّقُ
(تَنوشُهُ: تَخِزُهُ، سيًوفُ بَنِي أبيه : إيْ قَوْمُهُ)
- قَسْرًا يُقادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا
رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عانٍ مُوثَقُ
(رَسْفَ الْمُقَيَّدِ: الموثَقُ بالأغلَالِ أي القُيودُ. والعاني: الأسيرُ الذَّليل)
- أَمُحَمَدٌ وَلَأَنْتَ صِنْوُ كَريمَةٍ
مِنْ قَوْمِها، والْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
(شَبَّهَتِ النَّبِيَّ بطهارَةِ النَّسَبِ بامرأَةٍ في قَوْمِها، معروفةِ الشَّرَفِ والنَّسَب)
- ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّما
مَنَّ الْفَتَئ وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
- فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَصَبْتَ وَسيلَةً
وَأَحَقُهُمْ إنْ كانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
فقالَ النَّبِيُّ عليهِ السَّلامُ:
“لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُ شِعْرَها هذا ما قَتَلْتُهُ”.
حَقًّا إنَّهُ شِعْرٌ يُذيبُ القلْبَ!!!
مصدر مساعِد:
الممتع في صناعةِ الشِّعْرِ
عبد الكريم النَّهْشَلِي القَيْرَواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق