الاثنين، 31 أغسطس 2026

« وهمُ السعادة» ✮✮✮ 🖊 الشاعر طاهر عرابي

« وهمُ السعادة» 

طاهر عرابي
دريسدن – 19.06.2024 | نُقّحت في 31.08.2026

———

مَن ينظرُ مشدوهًا إلى الوراءِ
فاتتْهُ الحياة،
ومَن يُبصِرُ إلى الأمام
يرى ألفَ هدفٍ… وأكثر.

عُودوا إلى رُشدِ الطُّرُق،
ولا تخشَوا الغبار؛
تعبتْ سواقي الأرض
من جفافِ الورد،
ومن شُحِّ الأمل.

قالَ الوردُ بهدوء:

تفتَّحوا دونَ عِطر،
واقبلوا نصفَ السعادة؛
فما بعدَ الفناءِ
لا وردٌ…
ولا عطرٌ،
ولا قبر.

لكنَّ الحيرةَ تسكنُ اليدين،
والعقلُ الذي أبحرَ عكسَ الريح
تكسَّرَ ساريه،
وصارَ الشِّراعُ
عَلَمَ البؤس.

السعادةُ أنْ يسمعَ الصُّراخَ
مَن يملِكُ الإرادة،
ليُعيدَ الأملَ إلى وجهِ الأرض.

صرختْ حمامةٌ،
فارتعبَ هديلُها،
ورقدتْ على بيضتين
من عشِّ الغُراب.

فأجابَ الغُراب:

ما نفعُ أن تكوني أُمًّا
بلا أُمومة؟
سيعودونَ إليَّ،
وأنتِ أشدُّ بؤسًا.

وبعدَ أسابيع،
انتزعتْها السعادةُ قائلةً:

يتشابهُ البيضُ وقتَ الرُّقاد،
ولا يهمُّ مَن يخرجُ للحياة؛
لهُ الحياةُ أوّلًا،
وليَ السعادةُ أنْ أرى الأملَ
ينشقُّ في الجدار،
وأنتصِر.

سأنسى الغُراب،
وكلُّ ما لديَّ
سعادتي في عَبَثي.

فهلِ السعادةُ جزءٌ من العبث؟

وقالتِ السَّواقي:

وُجدنا لِنحتضنَ الماء؛
فلا سعادةَ بلا نبع،
والنّبعُ ينتظرُ المطر.

ما أشقانا…
الكلُّ وحيد،
لكنّنا ننتظر.

كنّا ماءً…
وصِرنا سرابًا؛
فأيُّ هزيمةٍ تليقُ بنا
أكثرَ من هذا الفناء؟

إنْ سُئلنا عن السعادة،
نرجو الدعاءَ وننتظر،
لكنْ لا بدَّ أنْ نشعرَ بالصِّدقِ أوّلًا،
ولا نعلمُ إنْ كانَ الوعدُ… يعود.

وحبّاتُ الكرزِ
ترى السعادةَ

في ألّا تُغيّرَ المسار،
أنْ تبقى حيثُ ابتدأت،
وترفضَ الرَّحيل،
حتى لو نضجتْ
وصارَ لها ثمن.

فكيفَ تسعدُ
إذا وُضعتْ في ميزان؟

باركتْها العصافيرُ،
وطارتْ تنشرُ خبرَها.

وقالوا:

للكرزِ رأيٌ يُحترم؛
السعادةُ أنْ تبقى
حيثُ وُلدت،
وما تبقّى…
رحيلٌ مجهول.

وقالَ رجلٌ مخمور:

لولا هذا النبيذُ
ما شعرتُ بالسعادة،
لكنّي سعيدٌ
لأنّي غيرُ نافع.

فأجابهُ النبيذُ هامسًا:

لولا سعادتُك حيثُ تكون،
لَما كنّا في الحقلِ فرحين؛
نتدلّلُ بحنانِ الهواء،
ونتمايلُ على أغصانِ العناقيد.

دعنا نسعد،
وسندعكَ تظنُّ أنّك نافعٌ
ولو مرّة.

لكلٍّ منّا شقاؤهُ
في مواصلةِ السعادة،
وهي أقصرُ من أعمارِنا.

سننتهي
حينَ تفتحُ فمكَ،
وأنتَ…
ستنتهي بعدَ يقظتك.

سعادتُنا؟
أنْ لا نتذكّرها.

وسعادتُك؟
أنّك…
ستظلُّ تبحثُ عنها.

وإنْ كثُرتِ المنعطفات،
كانَ الأملُ أوفرَ حظًّا من السعادة.

ليسَ الشقاءُ صفةً نكراء،
بل أنْ نفقدَ السعادةَ في الشقاء،
وألّا نعلمَ كيفَ كانَ آخرُ لقاء:

هل كانَ بحثًا عن البقاء؟

كم مرّةً شعرنا
ببهجةِ أنْ نكونَ عاديين؟

تلكَ الحقيقةُ الوحيدة
التي لا تُحبُّ الوفاء.

سنخرجُ إذن،
نلتقي ما تبقّى،
ونحتضنُ كلَّ ما نجده،
من غيرِ أنْ نُحدّدَ شكلَ البراءة.

فالسعادةُ ليستْ سرًّا
في كهوفِ الجبال؛
هيَ بذرةٌ في العقل،
مَن سقاها بفلسفةِ الوجود
عاشَ نهارَها وليلَها
دونَ تنهُّدٍ…
أو وعود.

وربّما لم تكنِ السعادةُ
شيئًا نصلُ إليه،
بل شيئًا نراهُ من بعيد.

نركضُ خلفَها،
فنكتشفُ أنَّ الطريقَ
كانَ أطولَ من الغاية.

ونتعبُ من البحث،
فنسمّي تعبَنا سعادة.

ثمّ، حينَ نلتفت،
لا نجدُ سوى آثارِنا
على الطريق.

عندها نسأل:

أكانتِ السعادةُ
في أنْ نصل…
أم في أنْ نواصلَ المسير؟

وربّما كانَ الوهمُ كلُّه
أنْ نبحثَ عنها
كأنّها شيءٌ يُمتلك.

نظلُّ نبحث…

لا لأنّها تنتظرُنا،
بل لأنَّ البحثَ عنها
هو الشيءُ الوحيدُ
الذي يجعلُنا
نواصلُ الحياة.

ط. عرابي - دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق